قناديل الذرة
قناديل الذرة...
تلك النجيمات التي احتملت الليالي المظلمة، و أضاءت حالك الدروب، في أزمنة سبقت و أزمنة شردتنا فيها الحروب. وصارت الدولة ظالمة، باطشة، متعطشة للمزيد والمزيد من التنكيل و التقتيل والتهجير الممنهج بالكثير من الخطط الشيطانية لأناس لا حول لهم ولا قوة إلا بالله. فقرى الجزيرة وقت السلام لم تنتظر فتات الخبز في محافل النفاق، ولا سبل العيش علي جماجم الرفاق، بل شيدتها صروحاً فوق صروح بسواعد النماء و الإخاء و الميسرين والمغتربين، فكانوا قناديل ذرة ذهبية لقراهم وجيرانهم و ضيوفهم ومن نزل بهم ومعهم، خيراً يعم الجميع.
وبعد نشوب هذه الحرب اللعينة المفتعلة، الفتنة البليدة المشتعلة، و إن غلفوها بمسميات ومزاعم و تحليل لا يصدقة عاقل ولا ينطلي إلا علي غافل. ظلت تلك القري الوادعة الجميلة تستقبل الناس و تربت علي قلوبهم بحنان الأم الولود و عطفها المعهود و خيرها فائق الحدود، فطمنت الكثيرين و أوت أخوان الوطن والدين، و هدئت من روع الخائفين و المنكوبين.
في زمان صلف، و أناس فارغين، كان قناديل الذرة الذهبية في قري الجزيرة، منارة للتائهين، و ملاذا آمناً للهاربين من بطش الثعبان ذو الرؤوس المتعددة، والجيوش المنفلتة من زمة الوطن والمواطن. بكرم فات الطائيين و نخوة تدهش البعيدين قبل القريبين، و أصالة تجود بآخر الزاد للضيف قبل الأولاد.
قوم عزل، حباهم الله بالبساطة وعزة النفس، خصهم الله بالتآلف والتراحم و التلاحم في الملمات والتزاحم لتصدي النائبات، وتلك خصال لعمري لا تجدها ولو بت في قوقل تبحث وفي الشعوب تحرث ما عثرت علي مثقال موقف من الذي حدث ويحدث في الأيام الغابرة الماضية.
وكمثل أغلب القصص، يدفع الجيش بالمواطنين و يزجهم زجاً في مواجهات غير متكافئة و يهرب هو ليشيد تفتيشاً آخر يقتات منه في عار وخزي، يطمئن نفسه و أنصارة بأنه يسيطر علي هذه النقطة القصية غير ذات الوجعة حالياً.
ومما لا شك فيه يستبسل الأهالي في الزود عن كرامتهم، وأرضهم وحقهم الأصيل، ولكن بأدوات تقليدية جداً و إن كان من ضمنها السلاح الناري، فهو غير ذا قوة في معركة مع مليشا و قاتلين فرغ الجيش مخازنه لدعمهم و سخر مؤنة عامنا لنصرتهم و قصر من عمرنا الذي صبرناه سنينا علي سنين لزيادتهم و تمكينهم، حتي إذا ما تيقن من جاهزيتهم أطلقهم علينا وابلاً من شر و حقد و موت، و تم تخزين البقية إلي حين السداد، وجعي علي قوم يتم وثاقهم مثل المعيز. و إن كان للقري نصيب كبير من التنكيل و التشريد ومصادرة الأمن و حق الحياة، لكنهم يملكون حرية رأيهم و تقرير مصيرهم وحدهم هناك، لا يستشيرون مجلساً ولا ينتظرون تحالفاً و إتفاق، ولهم الله حارساً وناصراً و مؤيداً و حافظا.
هذا ليس بمثابة نعي، ولا إستسلام، ولا جزع، فأمر الله نافذ لا محاله، إن لم نصبر و إن لم نحتسب، وإنما هي كلمات فخر و إعتزاز لقوم كانوا و ما زالوا يحتفون بالحياة الرغدة الكريمة والتي لا ترضيهم ما لم يتشاركونها مع الآخرين. إن حفتهم الفتن و ضاقت بهم السبل و تغافل عنهم أهل الشأن والتدبير. وتكالبوا عليهم في الظلم والتنكيل فحسبهم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تعليقات
إرسال تعليق